فؤاد ابراهيم

98

الشيعة في السعودية

إن الانتصارات السياسية التي حققتها الحركات الشيعية منذ انتصار الثورة الإيرانية عام 1978 والتجارب السياسية اللاحقة في العراق والخليج ولبنان ، وبما لعبته من دور فاعل في مجمل المشهد السياسي في المنطقة على مدى أكثر من عقد من الزمن ، أدّت في مآلها إلى تعطيل الفعل التجديدي في الفكر الشيعي ، بل مهرت التشيّع الشعبي بمشروعية مفتوحة ، ووهبته حياة إضافية ، بل رفدته بدفعات قوية ومهّدت له فرص الاكتساح والانتشار الواسع . إن افتئات السياسي على العقدي في المشروع الشيعي أفضى إلى الإضرار الفادح بمهمة تجديد الفكر الشيعي ، فالمنجز السياسي ظل يحتطب من حقل اليقينيات وعلى حساب العقيدة التي لم تمسّ إلّا لماما . بل وجّهت الحركات السياسية الشيعية سهاما من نار لكل الذين يقتربون من حدود المقدّس الشيعي ، باعتبار أن ذلك مسّ مباشر بالمنجز السياسي المكلل بالنجاحات الباهرة . فليس هناك من يرغب في رفع الغطاء عن المستور الشيعي العقدي ، نتيجة تماهي الديني بالسياسي ، الذي يرهن الوعي الديني لشروط السياسي وإملاءاته ، وفي ذلك إعطاب تام لحركة الأفكار الشيعية التي قدّر لها الخضوع تحت تأثير سلطة من خارجها ، فتقرر ما يجب أن يكون وما لا يكون في النظام العقدي الشيعي . إن الزخم الأيديولوجي الملقى على التشيّع وتوظيفه في مشروع مقاومة ضد السلطة السياسية ، قد حجب الواقع الذي بقي خارج قدرة الاستيعاب لدى المذهب . وهذا العنصر الجوهري المفقود في رؤية المستقبل وانعدام الحساسية إزاء ما يجب أن يكون عليه التشيّع في مرحلة لاحقة ، وطرق معالجة الانسدادات الكامنة في قنوات التعبير المستقبلي عنه . لقد رسّخ رد الفعل على أشكال شتى من الحرمان الاجتماعي والاقتصادي والسياسي ، الذي عاناه الشيعة أمدا طويلا ، البعد الإنقاذي للتشيّع وحوّله إلى أيديولوجيا خلاصية ، وهذا ما يجعله - شأنه شأن ديانات الخلاص - رهانا بحسب باسكال ، فمعتقدات الخلاص تنبذ المراجعة ، كونها تفضي إلى تحلّلها وتفسّخها ، فالمطلوب من التشيّع كما قرّر المؤدلجون أن يبقى مشروع مقاومة لأطوار متنوعة من الاضطهاد الذي انهال على الشيعة ، وليس مادة للجدل العلمي والفحص . ولذلك ، فإن ما شهده التشيّع منذ بدايات المرحلة الإحيائية